تمهيد
هل مازال بعض ممّا بين الدرس اللغوي والفكر الفلسفي عامّة من الصلة مجهولا؟ لقد بات من المؤكّد اليوم أنّ وشائج العلاقة بين مختلف الفروع المعرفيّة – لاسيّما الإنسانيّة منها- مترابطة ترابطا وثيقا يأخذ بعضها برقاب بعضٍ، ويستند بعضها إلى الآخر، ويقوم بعضها معتمدا على أسس البعض الآخر لا يكاد يضيف إلى تلك الأسس إلاّ طفيفا، وكلّ هذا في حدّ ذاته مجال معروف، لكن هل استوفي البحث في مجال الثقافة العربيّة الوسيطة عامّة ومجال التفكير اللغوي فيها تحديدا؟ ولماذا تراث ابن جنّي، وهو العَلاّمة الذي يكاد إرثه يكون قد قُتِل درْسًا؟ إنّنا - في صدد قضيّتنا هذه على وجه التحديد- نميل إلى الظنّ أنّ العلاقة التي تصل علم الكلام، وجملة من المكوّنات الثقافيّة الأخرى أيضا، بالنظريّة اللغويّة العربيّة وطيدة، وأنّ هذه القضيّة مازالت بحاجة إلى مزيد من التفكير والبحث، بل الدراسة التفصيليّة القائمة على جهد جماعي. وأمّا في خصوص اختياري لأبي الفتح بن جنّي على وجه التحديد أنموذجا على الاستدلال على وثاقة هذه العلاقة بين التفكير اللغوي وعلم الكلام؛ فَلدواعٍ سوف يأتي ذكرها في حينه، ولنكتف هنا بالإشارة - بادئ ذي بدء- إلى ما جاء عند السيوطي في مصنّفه الذي عنوانه "المُزْهِر في علوم اللغة" في تأكيده أنّ ابن جنّي كان معتزليّا على مذهب شيخه أبي عليّ الفارسي.
1- منزلة علم الكلام بين سائر العلوم:
"يصنع <علم الكلام> في العقول من العبارة إعطاء الآلة مثل صنيع العقل في الروح... حتى صار أهل كلّ علمٍ عليه عيالا".
(الجاحظ)
يمكن الاستناد في عرض هذه الرؤية – أعني الرؤية الفكريّة القائمة على مبادئ علم الكلام عند أهل الاعتزال- التي من المرجح أن يكون ابن جنّي قد صدر عنها، إلى نظرة الجاحظ مثلا، وهو أحد أهمّ أعلام هذه المدرسة (المعتزلة)، لمزيّة علم الكلام؛ إذ يقول في كتابه "الرسائل": "لولا مكانُهُ لم يثبت للرّب ربوبيّة، ولا لنبيّ حجّة، ولم يُفصَل بين حجّة وشُبْهة، وبين الدليل وما يُتَخيّل في صورة الدليل، وبه يُعرَف الجماعة من الفِرقة، والسُنّة من البِدْعة والشذوذ من الاستفاضة". ثمّ إن الجاحظ نفسه يذهب في كتاب "الحيوان" أبعد من ذلك، مقرّرا نجاعة أصول علم الكلام النظريّة ومبادئه الإجرائيّة في سائر العلوم حتّى إنّه يعمّم فائدته على الطبّ قائلا: "وما كان أحوجنا وأحوج جميع المرضى أن يكون جميع الأطبّاء متكلّمين وإلى أن يكون المتكلّمون علماء؛ فإنّ الطبّ، لو كان من نتائج حُذَّاق المتكلّمين ومن تلقّيهم له، لم نجد في الأصول التي يَبْنُون عليها من خَلَلٍ ما نَجِد". إنّ علما هذه منزلته عند أهله حتّى أنّهم كادوا يُوجبونه على الأطبّاء، لا شكّ أنّ الاعتماد عليه في صياغة النظريّة اللغويّة أقرب. وهذا ما نسعى إلى اكتشافه عند ابن جنّي.