‏إظهار الرسائل ذات التسميات علم اجتماع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علم اجتماع. إظهار كافة الرسائل

16 فبراير 2015

Sociologie : quelques auteurs – 45 fichiers Fr-En

Ce post, qui se veut comme une curiosité, car votre humble serviteur n’est 
aucunement versé dans ce domaine, se propose de vous présenter quelques 
acteurs éminents de la sociologie en France et d’ailleurs (à propos de 
Max Weber d’origine allemande).

A commencer par Pierre Bourdieu que les gens du sérail ne présentent plus. Son ouvrage majeur : « la Distinction » n’est proposé ici qu’en langue anglaise car introuvable numériquement en français malgré moultes recherches effrénées.

Pour ceux et celles qui veulent appronfondir leur connaissance du courant sociologique qu’il a animé durant toute sa vie, il est conseillé de télécharger les revues numérisées :
« les Actes de la Recherche en Sciences Sociales » dont le lien se trouve en bas de page. Les revues plus récentes sont proposées, moyennant finance, sur un autre site.

A noter le travail de compilation de Yvette Delsaut et de Marie-Christine Rivière qui ont réuni, dans un fichier de 74 pages, les titres de toute la production de Pierre Bourdieu. Une mine d’informations incontournable pour tous les étudiant(e)s en sociologie … et pour tous les autres aussi. 

Il est également des ouvrages de ses héritiers spirituels, à savoir le couple d’anciens directeurs de recherche du CNRS : Michel Pinçon et Monique Pinçon-Charlot. Je vous conseille de lire l’ensemble de leur oeuvre que vous trouverez aisément chez votre libraire de quartier favori : leurs ouvrages se
lisent comme des romans. Ils décrivent avec une truculence et un style uniques, qui leur sont propres,
le mode de vie de la bourgeoisie française et son « entre soi » cultivé à l’extrême.

Quelques ouvrages aussi d’Edgar Morin chantre de la « complexité ». Vous trouverez d’ailleurs un lien en bas de page.

Enfin deux ouvrages de Raymond Boudon dont un au format Epub de 1144 pages et deux autres de Didier Eribon complètent cette série.


Genre : Actualités, Science humaine
Langue : Français
Format : PDF
Hebergeur : Multi
Taille : 389 Mb
Telechargement

29 أبريل 2014

العلم والسياسة بوصفهما حرفة ... ماكس فيبر


لا ينظر فيبر إلى العلم والسياسة بوصفهما حرفةً مهنيّة صرفاً، بل هو يربط المهنتين ببعديهما الأساسيّين: البُعد الأخلاقي والبُعد الروحي، إذ المهنة التي يزاولها العالِم أو السياسي تظلّ دون عمقٍ إن لم تكن نابعة من اعتقاد من يقوم بها أنّه يقوم بالأفضل أخلاقيّاً، مستجيباً لدعوةٍ أو نداءٍ داخلي: نداء الضمير أو الوعي، متجاوزاً مظهر المهنة الخارجي. 
يضمّ هذا الكتاب محاضرتين تندرجان في سياق مرحلة حرجة من تاريخ ألمانيا الخارجة مهزومةً بعد الحرب العالميّة الأولى، عندما كان عليها أن تعيد بناء نفسها علميّاً وسياسيّاً وأخلاقيّاً، أي أن تجمع بين النظر والعمل. من هنا وجه التكامل ومدّ النظر إلى العمل، حيث امتزج عند فيبر النظرُ بالنّقد، والنّقدُ بالتّوصيات. وهكذا يعتبر هذا الكتاب تأمّلاً في الطريق الأمثل نحو إعادة البناء العلمي والسياسي والاجتماعي.


30 سبتمبر 2013

النفس المبتورة: هاجس الغرب في مجتمعاتنا... داريوش شايغان


إنّ تأثير الغرب والحداثة التي تقف وراءه يثيران في أيّامنا ويحرّكان في العالم الإسلامي مدارات مقاومة عديدة، فيولّدان تارة تراجعاً إلى أسطوريّة الأصول، ظنّاً بأنّها تحلّ بأعجوبة كلّ التعاسات الأخلاقيّة والتفاوتات الاجتماعيّة التي تشكو منها هذه المجتمعات، وتارة يسبّبان هرباً إلى الأمام نحو مغامرات متزايدة المخاطر، وتارة أخرى يحرّكان رفضاً قاطعاً لمواجهة تحديّات الأزمنة الجديدة. إنّ كلّ هذه المهارب والمخارج تعبّر عن وجوه شتّى لظاهرة واحدة، وتترجم أعراض قلق عميق صادر عن عدم فهم أو عن عدم تمثّل واستيعاب ظاهرة تاريخيّة كبرى (الحداثة في معناها الواسع جدّاً)، بل كانت تؤخذ دائماً وفقاً للتحوّلات الأليمة التي ألحقتها تقاليدنا وموروثاتنا في طريق معيشتنا وتفكيرنا. في هذا الإطار يأتي هذا الكتاب ليتناول مشكلة العرب والمسلمين في نظرتهم إلى الغرب.  فالباحث، وهو مسلم من إيران، يرى أنّ نظرتنا مبتورة ونفسنا مبتورة، لأنّنا نشتعل نقداً وحساسيّة تجاه الغرب، أو نبالغ إغناءً وإذعاناً أمام ما نحن فيه. ولأنّنا أيضاً، إمّا أن نعود إلى السلف الصالح، ردّاً على الغرب، وإمّا أن نلتمّ التماماً سطحيّاً بالغرب، فننقل ما عنده من دون أن نملكه، وبهذا نهرب من واقعنا إلى ما بعده أو نتوهّمه. وفي الحالات كافّة، يقع هذا الكتاب في قلب هموم ساخنة يعيشها العالم الإسلامي اليوم، وعنده الكثير الذي يضيفه إلى السّجالات الدائرة أو تلك التي يمكن أن تتفجر في أيّ لحظة...

05 أبريل 2013

الاطر الاجتماعية للمعرفة تأليف: جورج غورفيتش

المؤلف : جورج غورفيتش
الكتاب :الاطر الاجتماعية للمعرفة
ترجمة : د. خليل أحمد خليل
الطبعة: الثالثة، 2008 
الناشر : المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع
عدد الصفحات :333
   
 "حصيلة سلسلة من المحاضرات"، وخلاصة تأملات وجهود بدأها المؤلف منذ العام 1944، وتفاقمت بالشكوك حول إمكان الإحاطة بموضوع بالغ الإتساع والتعقيد كـ "علم اجتماع المعرفة"… وقد سعى المؤلف، كما في كل أعماله الاجتماعية السابقة، إلى إبراز التنوع الوافر والتغاير اللامتناهي سواء في الأطر الاجتماعية أم في التجليات المتوافقة مع المعرفة. وهنا يستلهم المؤلف القول الجازم بأن "التجريبية النسبية" هي الجهاز المفهومي الضروري لعلم اجتماع معرفة علمي حقاً، أي لعلم اجتماع معرفي متحرر من كل ابتسار ومن كل مفهوم شائع. ويرمي المؤلف من وضعه هذا الكتاب، إلى صياغة برنامج جديد للأبحاث، أكثر مما يرمي إلى تقديم نتائج نهائية، يحاول باستمرار أن يكتشفها ويصوغها بتواضع علمي رفيع. وفي ضوء هذا التعريف، تشكل ترجمة كتاب "الأطر الاجتماعية للمعرفة"، إضافة ضرورية الى مكتبة علم الاجتماع العربية والمكتبة الفلسفية.

17 أبريل 2012

المغيّبون فى تاريخ تونس الإجتماعي... مجموعة من الباحثين

المُغَيَّبُون في تاريخ تونس الاجتماعي” هو كتاب ضمّ عديد الدراسات والبحوث لمجموعة من الباحثين الجامعيّين التونسيّين في اختصاصات مختلفة كالتاريخ وعلم الاجتماع والفنون وغيرها بتنسيق من الدكتور الهادي التيمومي، وقد أثار هذا الكتاب من جديد اهتمام القرّاء والنقّاد في سياق الثورة التونسيّة وتمّ عرضه هذه الأيّام في بهو “بيت الحكمة” بمناسبة تقديم الدكتور محمّد الطالبي لآخر كتبه، إذ أنّ الكثيرين ربطوا الماضي بالحاضر ورأوا أنّ الثورة التونسيّة، وهي ثورة كرامة وحريّة، يمكن القول إنّها ايضا ثورة “المغيّبين” من آلاف الشباب المعطّلين عن العمل والفقراء والمهمّشين.
واعتباراً لتكامل مختلف العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة في بحثها عن الحقيقة، فقد انكبّ ثلّة من الأكاديميّين على بعض جوانب تاريخ تونس، لكن بطريقة مغايرة لما دأب عليه المؤرّخون إلى حدّ الآن من تحقيب لتاريخ البلاد يعتمد إمّا المعيار السياسي (تسلسل العائلات المالكة أو الأحداث السياسيّة المشهودة) أو المعيار الحضاري بكلّ ما لكلمة حضارة من مضمون فضفاض وغائم (تعاقب الحضارات البربريّة، والقرطاجيّة، والرومانيّة، والإسلاميّة وغيرها على تونس)، وقد تمثّلت هذه المقاربة الجديدة في قراءة هذا التاريخ من زاوية ما قامت به مختلف الشرائح والفئات والطبقات الاجتماعيّة من أدوار مختلفة.
وقد اختار أعضاء الفريق المؤلّف لهذا الكتاب الاهتمام، لا بِنُخَب المال والدين والسلطة السياسيّة، وإنّما بالعناصر الاجتماعيّة التي رزحت تحت سيطرة تلك النّخب، وهي العناصر التي احتلّت دائماً المواقع السفلى والوسطى في مختلف التشكيلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تعاقبت على البلاد التونسيّة منذ أقدم العصور. والمعروف، وفق ما جاء في تقديم الكتاب، عن مصادر التاريخ التونسي المتوفّرة اليوم جدبها الكبير وشحّها الشديد فيما يتعلّق بهذه العناصر الاجتماعيّة المسحوقة، وغنيّ عن الذكر أنّ هذه المصادر لا تركّز في تأريخها للعصور والأحداث إلاّ على الجوانب العسكريّة والسياسيّة والدينيّة، ولا يظفر منها القارئ إلاّ بأخبار الملوك والعلماء والأدباء ورجال الدين.
وإنّ “عيب” ممثّلي الشرائح الاجتماعيّة غير المالكة للثّروة والسلطة في تونس أنّهم فاعلون اجتماعيّون “صامتون”، ولم يدر بخلدهم أبداً ان يدوّنوا تاريخهم بأنفسهم، ولم يكونوا قادرين على ذلك حتّى ولو أرادوا نظرا إلى ما كانوا عليه من أمّية دامسة خلافا لما كان يفعله علية القوم ـ وأغلبهم من الحضريّين والمتعلّمين ـ الذين اهتمّوا بالتّأريخ لأنفسهم.
مظلمة التعتيم
إنّ المعرفة لبعض جوانب تاريخ الشرائح الاجتماعيّة المهيمن عليها في تونس ـ كما هو واضح في ثنايا هذه الدراسات ـ لا يمكن أن تتمّ إلاّ عبر غربلة نقديّة شاقّة ومريرة ـ كما يؤكّد ذلك د. التيمومي المشرف على الكتاب ـ لما تركته الشرائح الاجتماعيّة المهيمنة من تراث يتّصل بتاريخها هي دون سواها.
وممّا لاشكّ فيه أنّ ما وجده الباحثون في هذا التراث عن الشرائح الشعبيّة والوسطى مجانب في أغلبه للصّواب، ذلك أنّ نُخب السلطة والثروة والدين ناصبت هذه الشرائح الاجتماعيّة العداء، إن قليلا أو كثيراً ، واعتبروهم أُناساً جهلة، بل عاطفيّين متهمّجين، بل سفهاء يلبّون كلّ صوت داعٍ “للفتنة” وللفساد.
ولعلّ من الأمور التي تستوقف المتمعّن في الكتابات التاريخيّة التونسيّة إلى حدّ اليوم هو قلّة الاهتمام بالفلاّحين مثلاً رغم أنّهم مثّلوا المنتجين المباشرين الذين صنعوا الخيرات المادّية للبلاد على امتداد آلاف السنين. وإذا كان عيب هؤلاء الفلاّحين أنّهم صامتون لا يدوّنون تاريخهم، فإنّ المؤلّفين لهذا الكتاب رأوا أنّه آن الأوان، وقد تقدّمت عمليّة تحرير تاريخ تونس من الاستعمار أشواطاً، أن ترفع عنهم مظلمة التعتيم التي رزحوا تحتها عصورا طويلة.
وفي هذا السياق، تعرّضت إحدى دراسات هذا التأليف الجماعي إلى معرفة الخلفيّات الكامنة وراء صدور جملة من التشريعات تتعلّق بشريحة معيّنة من هؤلاء الفلاّحين، هي شريحة “الخمّاسة” (العمّال الفلاحيّون الذين كانوا يتقاضون أجراً يتمثّل في خُمْس المحصول الزراعي) في ستّينات القرن الماضي، لا فقط لأهميّة الموضوع في حدّ ذاته، بل لأنّه يرتبط كذلك وثيق الارتباط بمسألة لا يمكن تفاديها وهي طبيعة نمط الإنتاج الرئيسي السائد في صلب التشكيلة الاجتماعيّة والاقتصاديّة التونسيّة قبل سقوطها تحت السيطرة الرأسماليّة المباشرة عام 1881.
وتضمّن الكتاب دراسات مختلفة من بينها: “ملامح بعض الفئات الاجتماعية بإفريقية في العهد البيزنطي (522 – 709 م)” و”التجّار والحرفيون بإفريقية بين القرنين السادس والتاسع الهجري (12/15م)”، وأيضا مهنة “الخمّاسة في تونس بين التشريع والواقع (1861 – 1875 م)”، و”المشايخ بالبلاد التونسيّة في العصر الحديث بين التأثّل والارتزاق”. كما تضمّن الكتاب دراسة طريفة وعميقة موضوعها: “خبز الأغنياء وخبز الفقراء بالبلاد التونسية خلال العصر الحديث”، و”الفقراء والزوايا بوسط إفريقيّة من أواسط القرن السادس هجري إلى نهاية القرن الثامن هجري”. ومن الدراسات التي تضمّنها الجزء الثاني: “الأوضاع الاجتماعية للعبيد السُّود بالبلاد التونسيّة في النصف الثاني من القرن 19”، ودراسة عن ”صغار الكسبة في البلاد التونسية: الحرفيّون والتجّار (عشرينات ـ ستّينات القرن العشرين)” و”العمّال الفلاحيّون والموسميّون بشمال تونس خلال النصف الأوّل من القرن العشرين” و”الفقر والفقراء في تونس (1945 -1948 م) ” و”الجنوب الغربي التونسي خلال فترة (1856 - 1919 م) قراءة في التاريخ الاجتماعي من خلال الأدب الشعبي.
التوظيف السياسي
تمّ في الكتاب تخصيص دراسة عن الفقر والفقراء في تونس (1945 - 1948) وتحليل صلابة هذه النّواة بالنّظر خاصّة إلى بعض العوامل الجديدة التي صارت تجمع فيما بين عناصرها، وأظهرت الدراسة أنّ الفقر غرس في ذوات هذه المجموعات المعوزة نَفَساً نضاليّاً قويّاً من أجل تغيير أوضاعها الخاصّة ولم لا السعي إلى تغيير أوضاع كلّ سكان البلاد، بل ربّما أقرّت بعض جموع هؤلاء الفقراء ممّن كان لها حسّ سياسي بأنّ تغيير أوضاعها الخاصّة يمرّ حتماً عبر تحرير البلاد اقتصاديّاً وسياسيّاً.
إنّ بعض المعطيات التي عدّدتها الدراسة تدعم القول بأنّ ظاهرة الفقر والفقراء، قد تجاوزت بالبلاد التونسيّة منذ بعيد الحرب العالمية الثانية، وقبل ذلك أيضاـ المسألة العدديّة، وصارت تهمّ شرائح بأكملها عرفت العوز والإملاق. فالمجتمع بتونس صار يعيش بفعل الاستغلال الاستعماري المتوازي مع الاستغلال الطبقي الداخلي هذا التفقّر الجماعي المؤدّي إلى خلخلة المجتمع ككلّ، فخرجت بذلك الظاهرة من فرديّتها الضيّقة لكي تصبح دلالة جماعيّة على واقع شرائح بأكملها بل لم تعد الظاهرة وصمة تَسِمُ الأشخاص فُرادى لكي تصير سمة تطبع تاريخ مجتمعات صارت ترزخ تحت نير التخلّف ساهم الاستعمار المباشر وغير المباشر في إثباته بل وتأبيده.
ولعلّ وجود مثل هذا الحجم المفزع من المعوزين والمحتاجين والذي طبع تاريخ تونس الاقتصادي والاجتماعي إثر الحرب العالميّة الثانية هو الذي سيطبع أيضا تاريخها السياسي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فلقد انتاب السلطات الاستعماريّة قلق غير خفيّ من هول هذه الجموع، وقد تأتّى هذا القلق عبر مستويات عدّة. فكيف السبيل إلى إعالة هذا العدد المهول من الجياع؟ وكيف السبيل إلى الحدّ من عددهم؟ وهل تكفي سياسة إقامة “الحظائر” وتوزيع المعاش على البعض من المحتاجين لإزاحة هذا الخطر؟ إنّ تضافر جهود السلطة المركزيّة والسلط المحليّة لم تمكّن البتّة من خنق الظاهرة في المهد، كما أنّ التغيير السياسي في هرم السلط الفرنسيّة بتونس أثناء تلك الفترة لم يحلّ أبداً أيّ جزء من المشكلة.
                   الطيّب بشير


16 فبراير 2012

الثالوث المحرّم - دراسة في الدين والجنس والصراع الطبقي... بوعليّ ياسين


يرى المؤلّف في كتابه هذا أنّ المشكلة ليست في الدّين، إنّما في ذلك التّثبيت الذي يلقاه والذي يصبح به، ليس في تعاليمه الإيمانيّة فحسب، بل حتّى في أكثر تعاليمه دنيويّة، خارجاً عن الزّمان والمكان، بحيث يصبح كممارسة معيقاً لأيّ تغيّر في الأوضاع السّائدة. ومن هنا كانت في الماضي الثّورات والإصلاحات الدينيّة بهدف فصل الدّين عن الدّولة والسياسة والعالم، لكي لا يستغلّ، ولكي نتمكّن من إقامة مجتمع عصريّ يتعايش فيه جميع أبناء الوطن بشتّى دياناتهم، ولكي تُرضى الحاجات الإنسانيّة على أفضل وجه، وفي مقدّمتها حاجة بقاء الذّات وحاجة الجنس، على طريق تحقيق سعادة الإنسان التي هي غاية ذاتها.
هذا ما رآه الكاتب وبَحَثَهُ في مؤلّفه هذا الذي يعالج فيه أمور ثلاثة هي الثّالوث المحرّم: الدّين كموضوع دراسة علميّة، الجنس كمجال للتّنوير والتّثقيف، والصّراع الطبقيّ كأداة نظريّة وعمليّة للتحوّل الاجتماعي. الطّبقات والفئات المتسلّطة تحرّم البحث في هذه المجالات، مكتفية بشتمها واتّهامها بالإلحاد والإباحيّة والشيوعيّة، وفي الواقع ليست الكلمات هي ما يقضّ مضجعها، بل ما يمكن أن تساعد على حدوثه تلك المصطلحات.

01 ديسمبر 2011

سوسيولوجيا الغزل العربي: الشعر العذري نموذجاً... الطاهر لبيب


"إنّي على يقين من أنّ مَنْ يقرأ هذا الكتاب لا يعود، بعد قراءته، إلى ما ورثناه من أفكار عن الحبّ وعن الغزل عند العرب. إنّه يُحدث، فعلاً، قطيعةً مع الفكر السائد في موضوعه. أعتقد أنّ لا أحد، قبل الطاهر لبيب، بذل الجهد وأصرّ عليه، بهذا القدر العالي من الموهبة والتّحقيق معاً، ليتذوّق حكايات المحبّين، وليفكّك رموزها ويعيد بناءها، في الوعي الجماعي للقبائل ومخيالها... عرفنا، أخيراً، لماذا شعر البعضُ بالحاجة، تحت سماء الجزيرة العربية، إلى قول الحبّ، كما لم يقله أحد قبلهم، ولماذا عشقوه".
المستشرق الفرنسي أندريه ميكال



18 نوفمبر 2011

الصورة والجسـد: دراسات نقديّة في الإعلام المعاصر... محمّد حسام الدين إسماعيل

"الصورة والجسـد: دراسات نقديّة في الإعلام المعاصر" لمحمّد حسام الدين إسماعيل، من تلك الكتب التي تقدّم مقاربة وصفيّة لوسائل الإعلام العربيّة، وطرق اشتغال هذه الوسائل في ظلّ العولمة وانفتاح السماوات، والمشاكل التي تعترضها، سواء المنبعثة من ذاتها، أو تلك المفروضة عليها من الخارج، بحكم تزايد مدّ انتشار المعلومات والمعطيات عبر الحدود وغيرها.
بالفصل الأوّل (الإعلام وما بعد الحداثة: صعود الصورة وسقوط الكلمة)، وهو الفصل الأساس بالكتاب، يتحدّث المؤلّف عن الحداثة باعتبارها "مرحلة تاريخيّة تأتي تالية لأحداث 1968 التي شهدتها الجامعات الأوروبيّة، والتي انطلقت من باريس كحركة سياسيّة ثقافيّة اجتماعيّة، ردّا على النمط الثقافي المهيمن آنذاك، والاصطفاف العالمي في معسكرين شرق وغرب، وما بينهما من فروقات، تصل إلى حد التضادّ التامّ. وتمتدّ هذه المرحلة حتّى سقوط جدار برلين 1989، وما تلا ذلك من سقوط للمعسكر الشرقي".
إنّها، يتابع المؤلّف، مرحلة تؤرخ لهيمنة الثقافة الرأسمالية، بنمطها الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي، وتؤرخ لطغيان صورتها على مجمل مرافق المجتمع، الاجتماعي منها، كما السياسي والثقافي، كما "الأنساق المغلقة من الثقافات الموجّهة، وحالة إنكار الأديان، ورفض العقلانيّة، وتفسير كلّ شيء من خلال القوّة".
ثمّة علاقة أساسيّة وجوهريّة بين العولمة والإعلام وما بعد الحداثة، يقول المؤلّف. وأنّ إخفاقات الحداثة التي بلغت ذروتها في القرن العشرين، "قد مهّدت لحركة ما بعد الحداثة التي كان من العلامات الفارقة على فكرها، الشكّ في الخطابات الكلّية والأنساق الأيديولوجيّة والطوباويّة والفلسفيّة الكبرى، التي تطمح إلى إعطاء معنى كوني للحياة الإنسانيّة، والبحث عن يوتوبيا جديدة تفارق اليوتوبيات الحداثيّة".
إنّ فكر حركة ما بعد الحداثة، يؤكّد المؤلّف مرّة أخرى، إنّما مرتكزه جملة قيم ومقولات، "كالاعتقاد بالنسبيّة الاجتماعيّة واستحالة امتلاك الحقيقة، والقول بالحتميّة الثقافيّة التي تؤمن بإيجابيّة الاختلافات بين البشر، وبأنّ لكلّ ثقافة حقيقتها الخاصّة، ورفض الأنساق المغلقة والمعايير العلويّة المفارقة للواقع الإنساني، وإطلاق العنان للغرائز الطبيعيّة ورفض العقلانيّة".
صحيح، يقرّ الكاتب، أنّ الصحافة المكتوبة والصورة الصحافيّة والتلفزيون والإعلانات والانترنت، قد حملت كلّ فيما يخصّها، راية التجديد والفكر المعرفي الجديد، وأسهمت "في تعدديّة الحقيقة التي تعدّت العالم الواقعي إلى عالم افتراضي معتمدة على الخيال الذي تصنعه هذه الوسائل". إلاّ أنّ دخول الإنترنت على نطاق واسع في الإعلام، قد طرح بقوّة إشكاليّة الحقيقة، "إذ لم تعد هناك حقيقة واحدة مع الانترنت، كما أنّ تقليص تكنولوجيات الواقع الافتراضي للزمان والمكان جعل الحقيقة بلا أساس مادي ومعتمدة على الخيال، وبات لكلّ فرد حقيقته الخاصّة، إذ لا يمكن لأحد أن يدّعي امتلاك الحقيقة. ورافق ذلك امتلاء الفضاءين المعلوماتي والإعلامي بمضامين تركّز على التفسير الغريزي للحياة، الأمر الذي يعني رفض العقلانيّة الحداثيّة، واتّخاذ النصّ ما بعد الحداثي شكل تجمّع عنقودي من الرموز، قابل للتأويل بأشكال مختلفة".
من جهة أخرى، يلاحظ الكاتب، أنّ ولوج عدد كبير من رجال المال والأعمال العرب لمجال الإعلام، سيّما امتلاكهم للعديد من القنوات الفضائيّة، إنّما اقتصر أداؤه على تقديم صورة نمطيّة "اكتفت بتقديم الجسد، والصورة الجميلة، من دون أيّ مشروع خاص، ورضيت بتقديم المشروع الغربي على علاّته، لتندمج هذه الآليّات في خطاب واحد، بعيدا عن الخطاب الغارق في الماضي بالنسبة للعرب والمسلمين".
ويدلّل الكاتب على ذلك عندما يعرض بالفصل الثاني (الأغاني المصوّرة العربيّة المعاصرة) لما يسمّيه بـ"الحداثة العربيّة" التي تجلّت بقوّة في هذا الجانب، مشيرا إلى أنّها إنّما "تقدّم الدليل على الفصام الثقافي الذي يحدث ليس نتيجة للعولمة، لكن بسبب الماهيّة العميقة التي تجد تجليّاتها في الأفكار الدينيّة لاسيّما تجاه المرأة".
من هنا، فإن الأغاني المصوّرة إنّما تحقّق بنظره، "إشباعا لأحلام اليقظة لدى الجماهير العربيّة المحرومة من الحبّ والحريّة الجنسيّة، والمستكينة تحت أثقال التقاليد والأعراف والشرائع، في مجتمع يعاني من العنوسة والانفجار السكاني والأزمات الاقتصاديّة".
وهو ما يؤكد عليه أكثر في الفصل الثالث من الكتاب (الاقتصاد السياسي لثقافة الصورة) حيث تحول البطولة من المكتوب إلى المرئي، وتحول الجسد الأنثوي إلى ما يشبه المعبود الأوحد، "بحيث تحول هذا الجسد إلى حامل لكل صورة جميلة للمجتمع، رغم أن الرسالة التي حملتها هذه الأجساد الجميلة لم تكن سوى رسالة تجارية ذات النزعة الاقتصادية".
إن الجسد هنا، بنظر الكاتب، إنما يلعب الدور المحوري في تقديم السلعة والترويج لها، بالتالي، فمن الطبيعي في ظل اقتصاد يعتمد على العبودية، أن يتم "تطوير وترويج صورة للعبيد تبرر مؤسسة العبودية، وتجعل من هؤلاء العبيد نخبة المجتمع الأمثل، التي يحلم بها الكل والمثل الأعلى للمجتمع".
في الفصل الرابع (التحليل الثقافي للعري) يحاول المؤلف تبيان أن ثقافات العالم والشعوب، إنما ارتبطت تاريخيا "بشيء من العري، كنوع من الثقافة العامة والحالة الطبيعية، والعادية لدى شعوب لم تعرف اللباس، ومجتمعات قدست الجسد حينا لذاته، وحينا لجماله، وللجنس والإنجاب في أحيان أخرى".
بهذه النقطة يقول الكاتب: إن "تقديم صورة الجسد الجميل بمرافقة السلعة في ترويج سلعي استهلاكي، تبدأ بالجسد وتشمل كل ما هو إنساني، وكل ما يحيط بالإنسان، بحيث اختزلت الإنسانية في شكل الجسد، وفي مفارقة غريبة بعيدة كل البعد عن كل التعاليم الدينية والفلسفات الإنسانية الاجتماعيّة".
ويخلص الكاتب بالنهاية إلى الاعتقاد بأن "المعلم المميز الذي يشكل جوهر إعلام ما بعد الحداثة، هو ارتباطه بالعولمة الاقتصادية، بتركيزه على الإنسان الجسماني الاستهلاكي، المنشغل بتحقيق متعته الشخصية خارج أية منظومات قيمية اجتماعية أو أخلاقية، وخارج أي انتماء وطني، في عملية تنميط للعالم، بحيث يصبح وحدات متشابهة، هي في جوهرها وحدات اقتصادية تم إخضاعها لقوانين العرض والطلب، كي يصبح الإنسان، إنسانا اقتصاديا جسمانيا، لا يتسم بأية خصوصية بعد إمحاء ذاكرته التاريخية، ما يفتح الحدود أمام السلع ورأس المال لتتحرك من دون قيود أو عوائق".
يحيى اليحياوي


11 نوفمبر 2011

سوسيولوجيا الجنسانية العربية... عبد الصمد الديالمي


من الأمور المحزنة أن الفضل في مواجهة موضوع الجنسانية مواجهة معرفية مباشرة يرجع إلى انتشار الإيدز في المجتمع العربي الذي فرض على الأنظمة السياسية الحاجة إلى دراسة الجنسانية، بعدما ظلت مواضيع برامج تنظيم الأسرة تشكل المدخل الرئيسي، بل الوحيد، للجنسانية العربية، أي الحجاب الذي يخفي الموضوع المعرفي الحقيقي، ونقصد به الجنسانية بالضبط.
إن هذا الكتاب هو مجر بانوراما سوسيولوجية يرفع، ربما لأول مرة تحدي التصدي للجنسانية العربية المعاصرة من منظور أمبريقي - تجريبي. وقد دلت الدراسات السوسيو - أنتربولوجية التي أنجزتها بعض الأقطار العربية عن الجنسانية، بقصد تشخيص العوامل الثقافية والاجتاعية المحيطة بالممارسات الجنسية، على أن الجنسانية العربية حقل لايزال يقوم على السلطة والتراتبية بين الرجال والنساء، بين الكبار والصغار، بين الأسوياء والشواذ. وتبين أن الطابع السلطوي والقمعي المهمين على العلاقات الجنسية يجل من السلوك الجنسي سلوكا اضطرايا في معظم الحالات؛ وطبعا لا مجال للتفكير في الوقاية في إطار علاقة جنسية ينقصها الاختيار والحوار والتشاور. ومن هنا ضرورة إعادة النظر في النباء السلطوي الذي تقوم عليه الجنسانية العربية.

19 أكتوبر 2011

مقال: العنف الديني من منظور سوسيولوجي... حسن عالي

منذ اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي استهدفت مباني التجارة العالمية في نيويورك، انطلقت رحلة البحث السوسيولوجي للكشف عن ملابسات التطرف الديني بوصفه ظاهرة اجتماعية فعكف عدد كبير من الباحثين على تناول هذه الظاهرة بالدراسة والبحث والتحليل. فالعنف يسجل حضوره الصارخ في سلوك الجماعات الدينية، ومع ذلك فإن علماء الاجتماع لا يجمعون على القول بأن الدين عنيف بطبيعته أو أن العنف يصدر عن الدين صدورا طبيعيا. وعلى خلاف علماء الاجتماع فإن هذه الصورة السلبية للدين بوصفه مصدرا للعنف تترك انطباعاتها القوية في تصورات وقناعات الصحفيين والسياسيين.
والسؤال الذي يرتسم في العقل هو: هل يعبر هذا التصور السلبي للدين بوصفه مصدرا للعنف عن هيمنة إعلامية؟ أم أن ذلك نتاج لحقيقة واقعية أمبيرقية ملموسة؟ وبعبارة أخرى هل هناك من علاقة فعلية وجوهرية بين الدين في جوهره والعنف الديني الممارس من قبل الجماعات الدينية؟ أو هل يمكن للعلاقة بين الدين والعنف أن تكون مجرد إسقاطات إعلامية وفكرية ساذجة وغير موضوعية؟ والإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة إن لم تكن معقدة أو شديدة التعقيد.
فالدين يشكل ظاهرة اجتماعية وهو ينزع إلى التطور تدريجيا والانتقال من طبيعته المؤسساتية ليرتسم في صورة شخصية وفردية في راهن هذا العصر، فلم يعد الدين مجرد تصورات تفرضها الكنيسة أو المؤسسات الدينية بل تحول إلى موقف شخصي ورؤية ذاتية للفرد كما تبين الكثير من الدراسات الجارية في هذا الميدان في المجتمعات الغربية في أفضل الأحوال. فكل شخص يمتلك اليوم رأيا خاصا وموقفا شخصيا من الوجود والدين والله والعالم الآخر، وبالتالي فإن علاقة الفرد بالمؤسسات الدينية تأخذ طابعا يتسم بالغموض والضبابية. فالكنائس الكبرى التقليدية تشهد تراجعا كبيرا في هيمنتها وسلطتها الدينية حيث يكون الولاء اليوم وبدرجة أكبر ولاء أنويا (نسبة إلى الأنا) وهو نوع من الولاء الذي تفرضه معايير الحداثة المتقدمة ومقتضيات العيش في رحابها.
وعلى الرغم من هذا التصور الأنوي الفردي للدين والإيمان، فإن العصر يشهد ولادة جماعات دينية صغيرة ولكن روابطها قوية جدا، كما يشهد ولادة جماعات دينية كبرى على صورة حركات اجتماعية بروابط اجتماعية أقل عمقا وتماسكا. ومن الواضح أن هذه الجماعات الطائفية الدينية تتبنى العنف منهجا وطريقة.

مقاومة النزعة العلمانية sécularisation : 

تتميز الجماعات الدينية المغلقة برغبتها الكبيرة في مقاومة المجتمع العلماني، ومع ذلك فإن هذه الجماعات الدينية المتزمتة ليست واحدة بل تتنوع في اتجاهاتها وأيديولوجياتها وغاياتها، وعلى الرغم من هذا التباين فإنها تتفق في أمر واحد هو إعلان الحرب ضد النزعة الإنسانية العلمانية بكل ما تنضوي عليه من قيم ديمقراطية وإنسانية. وتحت تأثير هذه العداوة المشتركة للعلمانية، فإن الجماعات المتزمتة والمتصلبة تتحالف فيما بينها وتعمل على تكوين شبكات قادرة على ممارسة التأثير السياسي والاجتماعي في داخل المجتمعات التي تتواجد فيها، وإعلان الحرب ضد مختلف التجليات المدنية والعلمانية والديمقراطية القائمة في هذه المجتمعات. وهي في سياق هذا الصراع ضد العلمانية تقوم بممارسة العنف وتأجيج الصراع، وتعمل على تحقيق استمرارية الصراع والعداء ضد المجتمع المدني وذلك من أجل بناء وتشكيل الهويات الدينية الأصولية (1).
هناك من يعتقد اليوم بأن العنف الإرهابي لا يعبر عن أيديولوجيا أصولية بقدر ما هو انعكاس متضافر لعوامل جيوبولتيكية علمانية. وهناك من يرى بأن الشعور الديني للأصوليين هو نوع من الأيديولوجيا المتمردة الناجمة عن غياب العدالة الاجتماعية. ومع ذلك كله تشهد هذه الجماعات الإرهابية الدينية تزايدا كبيرا حيث تضاعف عددها من 26 جماعة في عام 1994 إلى 49 جماعة بعد مرور عام واحد فقط، وهذا يؤشر على تنامي كبير للعنف المؤسس على الدين.
وهناك من يعتقد اليوم في الغرب بأن العنف الديني المتنامي ولاسيما الإسلامي يأتي تعبيرا وبديلا للإخفاق الماركسي في العالم. كما يأتي ردة فعل واسعة ضد الاحتلال الأمريكي الذي يأخذ صورة جديدة للحروب الصليبية ضد المسلمين والإسلام. وقد أدى التركيز المعاصر على العنف الإسلامي إلى تغطية الصعود الكبير للأصولية الدينية في الولايات المتحدة الأمريكية والتقليل من شأنه وتبريره في الوقت نفسه حيث يعتقد كثير من الأمريكيين بأن حربهم ضد الأصوليات الإسلامية عادلة بالمعنى الديني والحضاري للكلمة، وقد أسس هذا التصور للعنف السياسي الذي تمارسه الدولة الاستبدادية والدول الديمقراطية أيضا حيث يمكن الإشارة في هذا الخصوص إلى سجن غوانتاناما Guantanamo أو إلى عمليات التضييق على الحريات المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد ساد في الآونة الأخيرة نوع من الإرهاب الذي يُفسر بشكل واسع بأسباب جيوبوليتيكية، وعلى خلاف ذلك غالبا ما يفسر هذا العنف بطبيعته الرمزية، فالعنف الديني يأخذ طابعا رمزيا أكثر منه عسكريا. ومن الواضح هنا بأن الإرهاب يعمل على نشر الخوف وبث الرعب وبناء أجواء هستيرية مخيفة في وسط الناس والعامة، وهذا الخوف الذي تثيره الجماعات الإرهابية يقوم على أساس التهديد الرمزي بالدرجة الأولى، وذلك لأن الجماعات الإرهابية الدينية لا تملك إمكانيات كافية من أجل مواصلة حروب عسكرية واسعة وشاملة، ولذلك فهي تلجأ إلى حروبها الرمزية فتعمل على تدمير الرموز المعادية، حيث يتم استهداف المساجد والمباني والكنائس والمراكز الرمزية من أي نوع كانت. ومن الواضح أيضا أن العنف الرمزي الديني يباشر تأثيره الكبير في عملية الضبط الاجتماعي للأفراد والجماعات ولا يمكن أو ليس من الحكمة أبدا التقليل من أهميته أو الاستهانة به ولاسيما عندما يكون هذا العنف دينيا.
يقدم عالم الاجتماع الأمريكي سكوت Scott R. Appleby رؤية أكثر وضوحا للعنف الأصولي والديني، فالمقدس بالنسبة إليه غالبا ما يكون محايدا بوصفه مقدسا ولكن تفسير المقدس ليس كذلك لأن هذا المقدس يأخذ دلالات أيديولوجية عندما يتعلق الأمر بالوظيفة والتفسير. فالمجتمعات الدينية غالبا ما تلجأ إلى الدين لتفسير وقائع الحياة والتجارب الإنسانية التي تعيشها، والكاتب يفند النظرية التي تفسر العنف الديني بعوامل جغرافية سياسية (جيوبوليتيكية). فقدرة الدين على تحقيق النشوة الدينية، وإخراج المؤمن من ضغط الحياة اليومية وإكراهاتها تشكل منطلق كل عنف ديني. ففي مختلف الأديان يقود التدين الزهدي إلى نشوة التضحية بالنفس أو بالآخر، وهذه سمة مشتركة بين جميع الأديان.
فعندما تقوم الدين بإضفاء طابع القدسية على عملية النضال من أجل الاستقلال السياسي – أي عندما تريد لجماعات الدينية أن تحقق استقلالا سياسيا على أساس المعتقد الديني - فإن الحركات العرقية والقومية الأخرى تجد مبررها المشروع لتمارس العنف بدورها ضد الجماعات العرقية والقومية الأخرى. فالهوية الدينية تؤدي في نهاية الأمر إلى تعزيز وتوسيع دائرة الكراهية والأحقاد العرقية والقبلية في المجتمع.
فالمتطرفون الدينيون يقومون بتوظيف الدين من أجل تبرير العنف والتمييز بين الجماعات العرقية أو بين الجماعات اللغوية المختلفة. ولكن كيف يمكن تفسير انتشار العنف الأصولي وانتشار مؤيديه بين أفراد عرفوا بما يتمتعون به من نبل أخلاقي؟ في سياق الإجابة عن يمكن القول بأن الأمية الدينية تشكل عاملا حيويا وبنيويا في عملية تنامي وتصاعد العنف الديني، ولاسيما في وضعيات الضغط والتأزم. وما يميز هذه الأمية أنها نتاج مستمر لانخفاض كبير في مستوى التفكير النقدي وانخفاض مستوى الثقافة الدينية الحقيقية نفسها. وهو الأمر الذي حدا ببعض الدول الغربية إلى تأهيل رجال الدين والعاملين في المؤسسات الدينية من علماء وفقهاء وقساوسة تأهيلا فكريا وثقافيا جديدا.
يعلن أبليبي عن أهمية الدور الكبير للدين في تشكيل الهوية الفردية وتغذيتها بإمكانية العنف، ولكنه يرفض في الوقت نفسه أن يصف التيارات الأصولية الأمريكية بالتطرف، حيث يعتقد بأن هذه الجماعات الأصولية منفتحة على التكوينات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الغربية، ولأن العنف الذي تمارسه هذه الجماعات الأصولية في الغرب هو عنف سياسي ورمزي ضد قيم المجتمع العلماني، ويمكن حيث يمكن لهذا العنف أن يكون مؤثرا جدا كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية. ومهما يكن رأي أبيلبي فإن هذه الحركات الأصولية الغربية متطرفة أيضا، حيث تشكل الجماعات الأصولية في الغرب منطلقا حيويا لمختلف الاتجاهات الراديكالية المتطرفة ولاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية، كما تشكل في الوقت نفسه موّلدا حيويا للجماعات الطائفية المتطرفة في مختلف أرجاء المعمورة.
لقد وجدت الحضارات عبر التاريخ ولم تكن هذه الحضارات في حالة تصادم بل في حالة تخاصب وتفاعل حضاري وثقافي وهذا الواقع يخالف ما يذهب إليه هنتغتون في كتابه عن صدام الحضارات. ومع ذلك يمكن القول بأن هذه الحضارات القديمة قد عرفت بدورها وجود جماعات وحركات أصولية سلفية حاولت أن تترجم وجودها الاصطفائي الطهري (صفاء الأصل) بطريقة أيتوبية وراديكالية. ولكن لم يكن في وسع أية ثقافة أو حضارة أن تبقى في أبراجها العاجية أو أن تكون خارج نطاق التأثير بالحضارات الإنسانية القائمة. فالصفاء العرقي أو الديني أو الحضاري ليس ممكنا أبدا ولم يكن ذلك ممكنا عبر التاريخ، بل كان التفاعل والتواصل بين الكيانات الثقافية قائما وحتميا في رحاب الزمن. وفي المقابل يجب أن نعلم بأن بعض الجماعات العرقية والثقافية حافظت وما زالت تحافظ على معالم هوياتها العرقية والثقافية وتصارع ضد عملية الذوبان والتلاشي، وهذا ما نراه في أمريكا حيث لم تستطع الثقافة الأمريكية الجبارة أن تذّوب الثقافات الإثنية والعرقية في بوتقة واحدة. لقد قاومت بعض الجماعات العرقية إكراهات التذويب الثقافي والحضاري وحافظت على معالم وجودها وهوياتها المميزة، وتلك هي حالة الجماعات المكسيكية التي حافظت على كاثوليكيتها ولغتها وأصولها الإسبانية.

الهوية والعنف الرمزي: 

مهما يكن العنف الديني ومهما تكن الصيغة التي يرتسم فيها فإنه منطلقاته الأولى تأخذ طابعا اجتماعيا رمزيا. لقد بين كل من ويلمان Wellman وتوكينو Tokuno بأن تدمير الحواجز الرمزية يشكل منطلق الصراع بين الأفراد والجماعات (2). ومن الطبيعي بالنسبة لجماعة دينية ما أن تشكل هويتها عبر الصراع والنزاع مع الجماعات الأخرى ومع المجتمع العلماني وبالتالي فإن نجاح هذه الجماعات يعتمد على عملية تفجير هذا الصراع وإدارته، والمحافظة على التوتر العدواني واستمراره ضد الجماعات الأخرى وبينها وبين المجتمع المدني ككل. فالعنف الديني ليس ظاهرة معاصرة بل ظاهرة قديمة قدم التاريخ. وهذا الرأي يأخذ أهميته لكونه يركز على الدين بوصفه مشكلا للهوية الاجتماعية والفردية، ومن ثم فهو لا يقلل من أهمية الدور الذي يمارسه العنف الرمزي في عمق العنف الديني.
وهذا الاتجاه يجد تعزيزا له في رأي كونيسا Conesa الذي يذهب إلى ما هو أبعد في التأكيد على مركزية العنف الرمزي في التكوين الأساسي للإرهاب الديني، وهو نوع من العنف يأخذ فيه الرمز أهمية أكبر من الهدف الاستراتيجي للعنف: فالعنف هنا يمارس بوصفه نوعا من التطهير، حيث يصعب تدمير العدو كليا في حرب شاملة، فتكون الحرب الإرهابية نوعا من العدوانية الرمزية الخالصة، وهدفها لا يكون مهما جدا من الناحية العسكرية. فالممارسة الإرهابية تمارس نوعا من الحرب الأخلاقية (الفوقية الروحية لمناضليها) والنفسية (تبين ضعف العدو وجبنه) ودينية (وعد بالجنة والعالم الآخر) ويلاحظ في هذا السياق أن الزمن الذي تمارس فيه هذه الحركات نشاطها الإرهابي غالبا ما يتم اختياره وفقا لمعايير رمزية تتوافق مع أجندات دينية وتواريخ مشبعة بالرموز الدينية الإستراتيجية(3).
ولا يخفى اليوم على العارفين بأن العودة إلى عقيدة التضحية بالذات من أجل التطهير القدسي كان وما زال مظهرا من مظاهر الحياة الدينية وطقسا من أهم طقوسها في جميع الأديان، وهذه التضحية تتم غالبا تحت متطلبات الضرورة الدينية التي تفرض الانخراط في حرب كونية مزعومة بين الشر والخير، بين الأنا والآخر، بين الدين والدنيا، بين الله والشيطان دون توقف حتى النهاية. وهذا يشكل اليوم جانبا جديدا من العنف الديني الذي يعزى إلى ثقافات دينية في سياق عولمة التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.
يحدد كونيسا ثلاثة أشكال من العنف الديني: الانتحار الجماعي، والعمليات الانتحارية، والإرهاب الجماهيري. وهذه الصيغ الثلاثة للعنف تكشف عن صيغ أخرى للعنف أكثر رهافة ودقة وخطورة، وهي تتمثل في العنف السيكولوجي والجنسي واللفظي والاقتصادي، وهي الأشكال التي يمارسها الدين نفسه على مريديه وعلى المنتسبين إليه، وليس خافيا أيضا أن هذه الصيغ من العنف تكون دائما سابقة ومؤسسة للعنف الفيزيائي (التفجير والقتل) الذي غالبا ما يشار إليه في تعريف العنف الديني كلاسيكيا. ومن الضرورة بمكان هنا الإشارة إلى أن هذه الصيغ الثلاثية للعنف تمارس تحت عنوان الضبط الاجتماعي الرمزي الذي يستهدف الأفراد أعضاء الجماعة الدينية نفسها. وكما يعتقد كونيسا فإن هذه الجماعات المتصلبة تستند في عقائدها إلى نسق من الأصول الدينية التيولوجية الأسطورية التي ليست في أصل الأديان السماوية نفسها. لقد تطورت بعض الأساطير وشهدت توظيفات جديدة في ممارسة الجماعات الأصولية المتشددة. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن بعض هذه الأساطير وظفت وما زالت توظف بصورة مشتركة بين الجماعات الدينية المتضاربة والمتصارعة نفسها. فالميثولوجيا، التي توظفها جماعات "اللوبي" اليهودية الإرهابية والتي تعمل على مراقبة وضبط التحويلات المالية عبر العالم (بروتكول حكماء صهيون المشهور)، هي نفسها التي نجدها لدى الجماعات الدينية الأصولية الكاثوليكية والإسلامية كما هو الحال بالنسبة إلى بعض الجماعات البروتستانتية.
وهناك أيضا نظرية المؤامرة Théorie du complot وهذه النظرية نجدها لدى الأصوليين الكاثوليك في الكوبك بكندا لدى تنظيم القبعات البيضاء Bérets Blancs كما نجدها لدى الجماعات الدينية الأمريكية المسيحية المتطرفة في الولايات المتحدة الأمريكية. ومهما يكن الأمر سواء بالنسبة إلى المؤمنين أو المتصلبين أو الملحدين أو الإنسانين العلمانيين أو بالنسبة للشيوعيين، فإن العنف هنا يصدر تحت عنوان الدفاع عن الهوية الدينية المهددة (..).
ويمكن الإشارة في هذا المضمار إلى ثلاثة من ردود الأفعال التي تمارسها الجماعات الدينية المتشددة في مواجهة العالم العلماني: يمكن الانسحاب من الحياة الاجتماعية وقطع العلاقات كليا مع المجتمع العلماني ويأخذ هذا الشكل صورة (الجماعات الصوفية الدينية)، أو يمكن التغلغل في مختلف المراكز الاجتماعية من أجل الوصول إلى مواقع السلطة والنفوذ فيه من أجل تغيير الواقع والتأثير فيه مثل التحالف المسيحي اليميني في الولايات المتحدة الأمريكية Christian Coalition aux USA ، أو يمكن مهاجمة المجتمع مباشرة والتركيز على الأصول والمرتكزات العلمانية للمجتمع المدني (القاعدة والثورة الإسلامية الإيرانية).
 
خاتمة: 

لقد أضاءت معالجتنا لمسألة العنف الديني في سياق الحداثة المتقدمة والعولمة الزاحفة صورة تصاعد الجماعات الإرهابية الدينية في العالم، وتصاعد هائل في ممارسة العنف، وقد تبين عبر هذا التداول للمسألة أن العنف الديني كان دائما وما زال موجودا وقائما وسيكون، وقد اتضح لنا أيضا بأن هذا العنف يأخذ اليوم صورة الدفاع عن الهوية الدينية وصونها، ومن البيّن أيضا أن هذا العنف يتشح بالطابع الرمزي في أكثر صوره فعالية وتأثيرا. لقد تمّ توظيف الرمز كقوة ما فوق طبيعية للتأثير في عقائد واتجاهات المنتسبين إلى هذه الجماعات الدينية لدفعهم إلى ممارسة العنف ضد الآخر بمختلف الصيغ والأدوات الممكنة، ومن الواضح بأن السلوك الديني المتشدد يمكنه أن يجري وفقا لصيغ متعددة من العنف الرمزي والسيكولوجي والاقتصادي والسياسي والفيزيائي. فالعنف كان موجودا دائما ولكننا اليوم على موعد مع عولمة العنف أو عنف العولمة حيث تلعب وسائل الميديا والاتصال دورا كبيرا في تدوير العنف وتعزيز حضوره. والدليل على ذلك ردود الفعل الإسلامي ضد الجنود الأمريكيين في سجن غواتينامو الذين قاموا بتدنيس القرآن الكريم إذ سرعان ما انتشرت هذه المعلومة في مختلف أنحاء العالم فأثارت ردود فعل عنيفة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. ومن الواضح هنا أن الأصوليين والمتطرفين يستفيدون بشكل جيد من وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلوماتية ويوظفون أدوات العولمة ذاتها في بث العنف ونشر ثقافة الخوف والموت في مختلف أنحاء المعمورة. فصدام الحضارات سلاح يمكن توظيفه بوجهين حيث يجب الاعتماد على عملية التفاعل والحوار بين الأديان والثقافات من أجل مواجهة التطرف الديني الذي ينتشر في الأرض. وهذا يعني أنه يمكن الحديث في واقع الأمر عن نموذج جديد للحماية الدينية التي تضرب خيامها في أرض الواقع في مواجهة العنف والتطرف والإرهاب. ومثل هذه الحماية التي تكسر حدة التطرف وتعيد للدين وجهه الصحيح تمثل في حقيقة الأمر نتاجا لعملية الحداثة المتقدمة في زمن العولمة بوصفها نقلة حداثية جديدة في تاريخ التقدم الإنساني.

الهوامش: 

1 - Geoffroy Martin “Le nouveau paradigme de la violence religieuse comme forme de résistance et de contrôle social dans le contexte de la modernité avancée”, revue Religiologiques, no. 31, Printemps 2005, Montréal, UQÀM, 27-36 .

2
 - Wellman Jr., K.J. & K. Kukono, 2004, « Is Religious Violence Inevitable ? », Journal for the Scientific Study of Religion, vol. 43, no 3, p. 291-296 . 

3 - Conesa, P., 2005, « La violence au nom de Dieu », La Revue internationale et stratégique, no 57, Printemps, p. 73-81.